مروان الغفوري

أين اختفى آلاف السوريين؟

د . مروان الغفوري

المقاطرة نيوز | أين اختفى آلاف السوريين؟

أين اختفى آلاف السوريين؟
قرأت على شاشة الكمبيوتر اسم مريض عربي، قالت لي زميلتي: لا يتحدث سوى العربية، من الأفضل أن تتحدث إليه أنت.

يبلغ من العمر 62 عاماً، في الغرفة زوجته وشقيقه الذي يدانيه في العمر، وشاب مراهق.

  • من وين الرّبع؟ سألت مبتسماً
  • من حمص. أجاب شقيق المريض
  • ألف مبروك على النصر.

استوى المريض جالساً ودخل في نوبة بكاء. لحظة ذهول، ثم فتح موبايله وأراني صورة ابنه الذي اختطفه النظام قبل عشرة أعوام. قبل يومين فقط أبلغتهم السلطات الجديدة أنهم وجدوا اسمه ضمن قوائم “المتوفين”.

قال شقيقه: على الأقل وجدنا أثراً، أما أبناء عمّه الثلاثة الذين اختطفوا من الطرقات فلم يتركوا أثراً.

  • من الطرقات؟
  • الآلاف راحوا من الطرقات، اختفوا إلى الأبد.
  • من اختطفهم؟
  • الميليشيات الإيرانية ومن معها
  • تعرفون آخرين حدث معهم الشيء نفسه؟
    قالت السيدة المحجبة: قاومهم شباب قريتنا 55 يوماً. دخلوا بمساعدة الطيران وقتلوا 300 من شبابنا وبناتنا، قتلوا كل من بقي بالقرية.

ذكرتني الحادثة بدير ياسين. آنذاك قال بن غوريون إن الرعب الذي خلقته دير ياسين سهل على جيشه المهمة في الأماكن الأخرى.

قال الشقيق:
أنا أيضاً اعتقلوني ولم أخرج إلا بعد أن دفعت 40 ألف دولار.

  • من أين لكم هذا المال؟
  • بعنا كل شيء.

شاهدت صوراً للقرية، لم يبق فيها من حجر على حجر.

  • ناويين على العودة؟
    قالت السيدة: نعم.
    نظرت في عيني زوجها وقالت مرة أخرى:
    نعم.
    بقي الرجل صامتاً، وتحدث شقيقه عن “حب السوريين لبعضهم”.
  • من أين جاؤوا بكل هذا الشر؟
  • بتقرأ يا دكتور؟ بتفهم في التاريخ؟
  • نعم، اقرأ في التاريخ
  • الحمدلله، إذن أنت عارف الجواب. قال المريض.

ابنه لم يتجاوز الخامسة والعشرين، الابن الوحيد.
تقول الأرقام إن مئات الآلاف دخلوا “صيدنايا”، وبضعة آلاف فقط غادروه خلال العقد الماضي. أين ذهب البشر؟ ماذا فعل بهم نظام بلادهم؟ عندما فتحت قوات التحالف سجون النازية ومعسكرات الاعتقال وجدتها مليئة بالبشر. تكاد كلمة “ناج من الهولوكو.ست” تكون صفة لكل من نجا من الحرب.

في أبريل من العام 1948 قامت عصابة الأراغون بقتل 300 فلسطيني في قرية دير ياسين، على بعد بضعة كيلومترات من القدس. وفي العام 2015 كتبت صحيفة إسرائيل اليوم: على المناضلين الفلسطينيين أن لا ينبسوا بكلمة ضد جيش الدفاع الإسرائيلي وهم يرون ما يفعله بشار الأسد بشعبه.

الترويع، المخدرات، السجون، المقابر الجماعية، المخابرات، الإصطفاء الطائفي، والمثقفون. آلات إجرامية مكنت أسوأ نظام فاشي عرفه البشر من تحويل حاضرة كبيرة، اسمها سوريا، إلى دهليز مخيف ومعتم اسمه صيدنايا.

فوق كل ذلك الموت والخراب وقف القائد الفاشي وتحدث كثيراً، عن القدس والحق والإبداع، عن التاريخ والآداب وكرة القدم، ذهب يحدث شعبه في كل شيء حتى عن “اثتقلاب” الخلية، وقد نسيتُ ماذا قال في ذلك اليوم عن اثتقلاب الخلية.

يا له من نصر مرّ للغاية.
بالأمس القريب كتبت صحيفة إسرائيلية تقريراً مطولاً عن الحدث السوري، وعن انهيار “الكوريدور” الذي بنته إيران خلال أربعة عقود. بكلمات دقيقة رصدت بواكير الثورة السورية على هذا النحو: في مدرسة في درعا، أقصى الجنوب، مع مطلع الربيع العربي 2011، قام تلاميذ مدرسة بكتابة بضعة كلمات ضد نظام بلادهم. لم يحدث شيء من هذا القبيل في كل البلاد. النظام الذي لا يقبل أن يقال له شيئاً أراد أن يجعل منهم عبرة، فقام باعتقالهم، ثم تعذيبهم، ثم التمثيل بجثثهم. وهكذا بدأت الأحداث، وانتهت بعد سنوات بهروب الأسد.

م.غ.


اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المقاطرة نيوز

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading